الغزالي
8
إحياء علوم الدين
اللفظ الرابع : العقل ، وهو أيضا مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم . والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان : أحدهما أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور ، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب ، والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم ، فيكون هو القلب ، أعنى تلك اللطيفة . ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه ، والعلم صفة حالة فيه ، والصفة غير الموصوف . والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم ، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعنى المدرك . وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « أوّل ما خلق الله العقل » فإن العلم عرض لا يتصور أن يكون أول مخلوق ، بل لا بد وأن يكون المحل مخلوقا قبله أو معه ولأنه لا يمكن الخطاب معه . وفي الخبر أنه قال له تعالى أقبل ، فأقبل . ثم قال له أدبر ، فأدبر الحديث فإذا قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة ، وهي القلب الجسماني ، والروح الجسماني ، والنفس الشهوانية ، والعلوم . فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان ، والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها . فالمعاني خمسة ، والألفاظ أربعة . وكل لفظ أطلق لمعنيين . وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها ، فتراهم يتكلمون في الخواطر ، ويقولون هذا خاطر العقل ، وهذا خاطر الروح ، وهذا خاطر القلب ، وهذا خاطر النفس . وليس يدرى الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء ولأجل كشف الغطاء عن ذلك ، قدمنا شرح هذه الأسامي وحيث ورد في القرءان والسنة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر ، لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصه ، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ، ومستعملة له ، ولكنها تتعلق به بواسطة القلب . فتعلقها الأول بالقلب ، وكأنه محلها ومملكتها ، وعالمها ومطيتها ، ولذلك شبه سهل التستري القلب بالعرش ، والصدر بالكرسي ، فقال القلب هو العرش ، والصدر هو الكرسي . ولا يظن به أنه يرى أنه عرش الله وكرسيه ، فإن ذلك محال ، بل أراد به أنه مملكته ، والمجرى الأول لتدبيره وتصرفه ، فهما بالنسبة إليه كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى . ولا يستقيم هذا التشبيه أيضا إلا من بعض الوجوه وشرح ذلك أيضا لا يليق بغرضنا فلنجاوزه